نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرًا سلطت فيه الضوء على ما وصفته بتشديد السلطات السعودية قبضتها على حرية التعبير، عبر موجة من الاعتقالات وفرض الغرامات، استهدفت بشكل مباشر مواطنين انتقدوا ارتفاع تكاليف المعيشة وتشديد شروط الاستفادة من برامج الضمان الاجتماعي، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية على شرائح واسعة من المجتمع.
وبحسب التقرير، أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في ديسمبر فرض غرامات مالية على تسعة أشخاص، إلى جانب إصدار أوامر بإغلاق حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي، بذريعة نشرهم ما اعتبرته «محتوى مخالفًا». واعتبرت الصحيفة أن هذه الإجراءات تعكس اتساع نطاق الرقابة الرسمية على الفضاء الرقمي، وتحويله إلى ساحة خاضعة للعقاب الإداري والأمني بدلًا من كونه مجالًا للنقاش العام، وفقًا لـ "عربي 21"..
وسبق هذه الخطوة، وفق التقرير، إعلان السلطات في نوفمبر اعتقال ستة أشخاص بتهمة «نشر معلومات بشكل منهجي لإثارة الرأي العام»، مع إحالتهم للمحاكمة بموجب قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي يتيح فرض عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات، وغرامات قد تبلغ ثلاثة ملايين ريال سعودي (نحو 800 ألف دولار)، ما يضع المنتقدين أمام كلفة قانونية باهظة لمجرد التعبير عن آرائهم.
ورأت منظمة «سند» الحقوقية السعودية، التي تتخذ من المملكة المتحدة مقرًا لها، أن هذه الإجراءات تمثل تصعيدًا واضحًا في ما وصفته بـ«حملات القمع الرقمية»، مؤكدة أن الغرامات والاعتقالات لا تُعد حوادث معزولة، بل تأتي ضمن نمط متسع من الممارسات القمعية، تُستخدم فيه الهيئات التنظيمية كأدوات لفرض الرقابة وإسكات الأصوات المعارضة، ومعاقبة الأفراد على التعبير عن مواقفهم تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.
وأوضحت الصحيفة أن الهيئة الإعلامية جمعت أيضًا مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي لإطلاعهم على إرشادات جديدة للمحتوى في وقت سابق من عام 2025.
وعلى الرغم من أن الهيئة لم تحدد سبب فرض العقوبات، فإن منظمة سند قالت إن هذه الإجراءات تبدو ردًا على تزايد الانتقادات عبر الإنترنت مؤخرًا بشأن إصلاحات نظام المساعدات الاجتماعية.
وقالت الصحيفة إن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، التي تنظم سوق العمل وتقدم المزايا للمواطنين، اتخذت سلسلة من الخطوات لتشديد معايير الاستحقاق، ما أدى إلى فقدان العديد من الأشخاص حقهم في الحصول على المدفوعات الشهرية التي كانوا يتلقونها سابقًا.
ولم تكشف السلطات عن أسماء المعتقلين، إلا أن منظمة "القسط" الحقوقية السعودية، التي تتخذ من لندن مقرًا لها، حددت ثلاثة منهم، بينهم فلاح المسردي، وهو مغنٍ محافظ معروف.
وفي مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي في تشرين الأول/ أكتوبر قبل اعتقاله، أوضح فلاح المسردي أن شقيقته، وهي مبتورة الساق، حُرمت مؤخرًا من الحصول على مدفوعات الضمان الاجتماعي.
وقال المسردي: "هناك الكثير من الأمور تحدث هنا في البلاد، ومن حقنا كمواطنين أن نشتكي من الأشياء التي تزعجنا"، مضيفًا أنه لا ينبغي أن يكون من المستغرب أن يعبر الناس عن تظلماتهم في وقت "تمنح فيه الدولة مليارات" كمساعدات لدول أجنبية.
وأوضحت الصحيفة أن العقوبات تسلط الضوء على أحد أبرز المفارقات في السعودية خلال العقد الماضي؛ فبينما دفع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نحو الانفتاح الاجتماعي وتخفيف القيود على الترفيه، وأفرج في الأشهر الأخيرة عن بعض السجناء السياسيين، يرى مراقبون أن هامش حرية التعبير قد تقلص مع انخفاض مستوى التسامح مع المعارضة.
وأشارت الصحيفة إلى أن التغييرات في نظام المساعدات الاجتماعية تأتي ضمن جهد أوسع تبذله السلطات لإصلاح الاقتصاد وإعادة صياغة العقد الاجتماعي عبر تقليص الدعم وتشجيع المواطنين على الالتحاق بوظائف القطاع الخاص بدلًا من الاعتماد على برامج المساعدات الحكومية.
وقالت الحكومة إن شبكة الأمان الاجتماعي لا تزال "أولوية مركزية"، وإن التعديلات على معايير الاستحقاق تهدف إلى ضمان وصول الأموال إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
وأوضحت الصحيفة أن أحد أبرز دوافع الغضب الأخير جاء في تشرين الأول/ أكتوبر عندما نشر رجل الأعمال السعودي يزيد الراجحي، وهو ابن عم وزير الموارد البشرية أحمد الراجحي ومن سلالة العائلة التي أسست أكبر بنك في المملكة، مقطع فيديو من طائرة خاصة هاجم فيه الانتقادات الموجهة للحكومة.
وقال الراجحي: "يجب ألا نقبل أي حديث سلبي عن حكامنا، حتى في الجلسات الخاصة. علينا أن نتقبل أنهم يبذلون قصارى جهدهم، والأخطاء يمكن أن تحدث".
وقالت الصحيفة إن تصريحات الراجحي أثارت غضبًا واسعًا بين كثيرين ممن رأوا فيه مثالًا على النخبة المنفصلة عن الواقع والتي تستخف بالصعوبات التي يواجهها المواطنون العاديون، مما دفعهم إلى الدعوة لمقاطعة مطاعمه ومقاهيه ومحلات العطور التابعة له.
وقال أندرو ليبر، الأستاذ المساعد في جامعة تولين، إنه بينما كان يُسمح في الماضي ببعض "التذمر" حول قضايا مثل تكاليف المعيشة أو البطالة، فإن الاعتقالات الأخيرة تشير إلى وجود حدود صارمة لما يمكن أن تتسامح معه السلطات من مظاهر المعارضة العلنية.
وأضاف ليبر: "لم يكن هناك في أي وقت ما يدل على أن شيئًا أكثر من النقد المهذب يمكن أن يُسمح به. وحتى هذا النقد يبدو أنه يقتصر على شخصيات معينة استطاعت إقناع أصحاب القرار بأنها ستظل ضمن حدود هذا النوع من الملاحظات المهذبة"، مشيرًا إلى أمثلة من بعض مقدمي البودكاست ومذيعي التلفزيون الذين يستضيفون مسؤولين كبار في مقابلات يغلب عليها الطابع الودي.

